ترى هيرميلا كيدان، الباحثة في «هورن ريفيو»، أن المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط غالبًا ما يُقرأ من خلال التحالفات المؤقتة، بدلًا من الأنماط الأعمق التي تفرضها السوابق التاريخية وموازين القوى البنيوية. وتبرز العلاقة بين السعودية ومصر باعتبارها واحدة من أكثر العلاقات الثنائية تأثيرًا في العالم العربي، إلا أن فهمها بدقة يتطلب التخلي عن التصورات المثالية التي تعتبرها تحالفًا طبيعيًا قائمًا على وحدة الهوية، والنظر إليها باعتبارها علاقة تحددها اختلالات القوة والذاكرة التاريخية والضرورة العملية.
ورغم استمرار أهمية الموقع الجغرافي لمصر، تقلص نفوذها البنيوي الأوسع بصورة كبيرة، إذ انتقلت من دولة إقليمية قادرة على تشكيل النظام العربي إلى شريك أصغر تستند أهميته بدرجة أكبر إلى موقعه الجغرافي مقارنة بثقله الدبلوماسي أو المادي المستقل.
وتتناول كيدان في تحليلها المنشور في «هورن ريفيو» الجذور التاريخية للعلاقة السعودية المصرية، والتحولات التي طرأت على موازين القوى بين البلدين، وصولًا إلى طبيعة المحور السعودي المصري في الوقت الراهن، معتبرة أن استمرار هذه العلاقة يستند بصورة أساسية إلى المصالح المتبادلة والاحتياجات الاستراتيجية، وليس إلى تحالف أيديولوجي طبيعي.
جذور تاريخية لعلاقة اتسمت باختلال موازين القوى
تكشف الأسس التاريخية لهذه العلاقة عن فترة طويلة من اختلال التوازن أكثر مما تكشف عن شراكة متكافئة. ففي القرن التاسع عشر، اتسم التفاعل بين وادي النيل وشبه الجزيرة العربية بالتوسع الإمبراطوري والتحديات الوجودية.
وانتهت الحملة المصرية على الدولة السعودية الأولى عام 1818 بتدمير الدرعية، في واقعة لا تزال تمثل جرحًا مؤسسًا في الذاكرة السياسية السعودية. وأظهرت تلك الحملة أن القوة المصرية، عندما تتقاطع مع سلطة إمبراطورية خارجية، كانت قادرة على تهديد وجود المشروع السياسي السعودي ذاته.
ويرتبط بذلك فصل آخر يتعلق بالإمام فيصل بن تركي آل سعود، الذي أعاد لاحقًا تأسيس الدولة السعودية الثانية. ولا يزال خروجه من الأسر في مصر موضع نقاش بين المؤرخين، إذ تشير بعض الروايات إلى أن السلطات المصرية ربما سمحت بعودته أو ساعدت عليها لأسباب ارتبطت بحسابات إقليمية في تلك المرحلة.
وبغض النظر عن الدوافع الدقيقة، تعكس الواقعة مرحلة امتلكت فيها مصر القدرة على التدخل الحاسم في شؤون شبه الجزيرة العربية. ولم تكن السعودية يومًا مجرد أداة لإرادة مصرية، لكن السجل التاريخي يشير بوضوح إلى أن القاهرة كانت تمتلك في وقت سابق تفوقًا واضحًا في القدرة على إسقاط قوتها خارج حدودها.
وأكدت العقود التي أعقبت الحقبة الاستعمارية هذا التفوق المصري ظاهريًا. ففي عهد جمال عبد الناصر، امتلكت مصر رصيدًا أيديولوجيًا كبيرًا ومكانة عسكرية مرموقة، ما مكنها من لعب دور الوسيط بين المجالين العربي وغير العربي، واحتلال موقع محوري في السياسة الإقليمية. غير أن تلك المكانة استندت إلى بيئة دولية محددة وزخم أيديولوجي لم يكن قابلًا للاستمرار.
وأدى الركود الاقتصادي والضغوط الديموجرافية والتآكل التدريجي للقدرات المادية إلى انحسار بنيوي في الدور المصري. ولا ترى كيدان أن تراجع مكانة مصر الإقليمية جاء بصورة مفاجئة، بل تراكم تدريجيًا، مع ظهور تداعيات واضحة على الترتيبات المؤسسية التي تشكل الشرق الأوسط المعاصر.
المحور السعودي المصري يعكس صعود القوة الخليجية
برزت إعادة ضبط مكانة مصر بوضوح مع تشكل هياكل أمنية وسياسية جديدة، بينها المبادرات المرتبطة بتحالف مكة. وأشارت تقارير إلى تردد سعودي بشأن إدراج مصر ضمن المشاركين الأساسيين في بعض الترتيبات التي جرى بحثها في مراحلها الأولى. وربطت بعض التحليلات هذا الحذر بما اعتُبر تناقضات في السياسة الخارجية المصرية، لكن تقييمًا آخر يرى أن الموقف السعودي يعكس حسابًا عقلانيًا للقدرات.
ففي نظام راكمت فيه دول الخليج قدرًا كبيرًا من رأس المال والقدرة الدبلوماسية المستقلة، تقدم مصر قدرة اقتصادية أو عسكرية محدودة إلى الهياكل الجماعية. وتبقى أهم أصولها الجغرافيا وقناة السويس وساحل البحر الأحمر، أكثر من قدرتها على إسقاط القوة الصلبة أو توفير الاستقرار الاقتصادي. كما طورت السعودية قنواتها الخاصة للتواصل مع أطراف إسلامية وغربية على حد سواء، ولم تعد تحتاج إلى الوساطة المصرية بالمستوى ذاته الذي كانت تحتاجه سابقًا.
ويعكس الدور المصري الأكثر محدودية في هذه الأطر تقييمًا واقعيًا للإسهامات النسبية، وليس رغبة في العقاب. وتدعو مسيرة السياسة الخارجية المصرية إلى فحص نقدي، إذ انتقلت القاهرة على مدى عقود من التحالف مع الاتحاد السوفيتي إلى الرعاية الأمريكية، ومن الصدام مع إسرائيل إلى السلام معها، ومن طموحات القيادة الإقليمية إلى الاعتماد على الدعم المالي الخارجي، في تحولات بدت في كثير من الأحيان أقرب إلى ردود الفعل منها إلى استراتيجية متماسكة.
ولا شك أن التكيف مع النظام الدولي أمر حتمي، لكن نمط الدبلوماسية المصرية افتقر في أحيان كثيرة إلى الاتساق، واستجاب بدرجة أساسية للضغوط المالية والقيود الداخلية. وأضعف هذا البحث المتكرر عن رعاية خارجية المصداقية اللازمة لممارسة قيادة إقليمية مستدامة.
ومن هذا المنظور، ينبغي فهم الاصطفاف الحالي مع السعودية في ضوء الضرورة الاقتصادية. فتقدم السعودية سيولة مالية واستثمارات كبيرة ومستمرة، بينما توفر مصر تعاونًا أمنيًا في البحر الأحمر وثقلًا ديموغرافيًا. وتخلص كيدان إلى أن العلاقة ذات طبيعة تبادلية غير متكافئة، تقوم على تبادل رأس المال مقابل القيمة الجغرافية والاستقرار الإقليمي.
البحر الأحمر يرسخ الشراكة ويكشف حدود النفوذ المصري
يكشف البحر الأحمر والقرن الأفريقي بوضوح عن طبيعة الشراكة الحالية، إذ أصبح هذا الممر ساحة رئيسية للتنافس الجيوسياسي. وتمثل سلامة هذا الممر بالنسبة إلى السعودية ضرورة أساسية لصادراتها من المحروقات وللحياة الاقتصادية في مناطقها الغربية. ويضمن سيطرة مصر على قناة السويس وجودها على طاولة الترتيبات الإقليمية، لكنه لا يمنحها الهيمنة.
وتسعى السعودية، عبر انخراطها مع مجموعة أوسع من الدول المطلة على البحر الأحمر، إلى بناء إطار للأمن الجماعي يحول دون امتلاك أي طرف قدرة مفرطة على ممارسة النفوذ. ويعكس ذلك حذرًا عميقًا تغذيه الخبرة التاريخية وتقييم واقعي لموازين القوة.
وفي الوقت نفسه، تدرك السعودية أن زعزعة استقرار مصر ستخلق فراغًا أمنيًا على حدودها الغربية ومحيطها البحري، وهو فراغ لن تستطيع الأموال وحدها ملأه سريعًا. لذلك يشكل دعم استقرار مصر استثمارًا عقلانيًا في الحفاظ على الوضع الإقليمي القائم، حتى مع حرص الرياض على إدارة توزيع النفوذ عبر المجال البحري. وتظل القيمة الجغرافية لمصر حقيقية، وتواصل دعم استمرارية العلاقة بين البلدين.
وتخلص كيدان إلى أن القول بتراجع الدور الإقليمي لمصر لا يتجاوز تسجيل حقيقة بنيوية. فقد أثبت نموذج النفوذ الذي ساد منتصف القرن العشرين، والقائم على القيادة الأيديولوجية أكثر من المرونة الاقتصادية، عدم استدامته. وانتقلت العلاقة السعودية المصرية من مرحلة إسقاط مصر قوتها إقليميًا، مرورًا بفترة التفوق المصري، إلى وضع حالي تتصدر فيه السعودية المشهد مستندة إلى قدراتها المادية.
وتواصل الذاكرة التاريخية، بما فيها صدمة تدمير الدرعية، التأثير في الثقافة السياسية السعودية التي تظل حذرة من التوسع المفرط، مع استمرارها في السعي إلى التعاون العملي. ولا ترى الكاتبة أن الدولتين حليفتان طبيعيتان بالمعنى الأيديولوجي، بل شريكان بحكم الضرورة؛ إذ تحتاج مصر إلى الدعم المالي الخليجي للحفاظ على مؤسسات الدولة، بينما تحتاج السعودية إلى استقرار مصر لتأمين جناحها الغربي وممر البحر الأحمر.
ويستمر هذا المحور لأنه عملي، ويستند إلى مصالح متكاملة تجمع بين الجغرافيا ورأس المال، وليس إلى طموحات مشتركة. وترى كيدان أن مصر ستواصل احتلال موقع «أصل استراتيجي» أكثر من كونها قوة مهيمنة مستقلة على المستوى الإقليمي، ما لم تعالج تناقضاتها الاقتصادية الداخلية وتطور سياسة خارجية تستند إلى قدراتها الوطنية بدلًا من طلب الدعم الخارجي.
https://hornreview.org/2026/09/14/egypts-diminished-regional-hegemony-and-the-structural-realities-of-the-saudi-egyptian-axis/

